ابن كثير

573

السيرة النبوية

فكأن عمر رضي الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يشبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة ، محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ما تركنا صدقة " فامتنع عليهم كلهم وأبى من ذلك أشد الاباء رضي الله عنه وأرضاه . ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ينظران فيها جميعا إلى زمان عثمان بن عفان ، فغلبه عليها على وتركها له العباس بإشارة ابنه عبد الله رضي الله عنهما بين يدي عثمان ، كما رواه أحمد في مسنده . فاستمرت في أيدي العلويين . وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبى بكر وعمر رضي الله عنهما ، فإني ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورآه من الفقه النافع الصحيح ، ورتبته على أبواب الفقه المصطلح عليها اليوم . وقد روينا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة ، فأجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي ، وأنها سلمت له ما قال . وهذا هو المظنون بها رضي الله عنها . فقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ; حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، أن فاطمة قالت لأبي بكر : من يرثك إذا مت ؟ قال : ولدى وأهلي . قالت : فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن النبي لا يورث " ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق . وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمد بن المثنى ، عن أبي الوليد الطيالسي ، عن محمد ابن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فذكره فوصل الحديث وقال الترمذي : حسن صحيح غريب .